بقلم:عبد الرحمن سعد: البدايات دائماً سر نجاح النهايات ، والعمل العظيم يبدأ بتمهيد ثم تدريب. والنجاح في الفوز بثمرات العبادة يكمن في حسن الاستعداد لها ، وتهيئة النفس لما تقتضيه متطلباتها .. فالصلاة – مثلاً – تكون مسبوقة بحسن وضوئها ، وترقب وقتها ، وإتمام خشوعها ، وقيامها ، وركوعها ، وسجودها ، وذلك بعد أن تكون قد قُدمت بين يدي الفريضة منها : النافلة ، وبخاصة بالنسبة لفرائض : الصبح والظهر، والعصر .
وكذلك شهر رمضان العظيم إذ يسبقه شعبان الكريم ، فيكون مقدمة رائعة له ، بما يحوى من برنامج تدريبي مكثف ، وحث علي الصيام ، وقراءة القرآن الكريم ، وحرص علي الصدقة ، وصلة الأرحام وأعمال الخير كافة .. رائدنا في ذلك رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ، وصحابته الكرام .
ولعلها لفتة كريمة من رب العزة – سبحانه وتعالي – إلي فضل هذا الشهر بأن أنزل فيه – أي في شعبان – فريضة صيام رمضان ، قال تعالي : يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون.( البقرة : 183) .
فافترض – سبحانه – بهذه الآية الكريمة – صيام رمضان علي أهل الأيمان والإسلام .. وكان ذلك – بداية – في شعبان ، ومن هنا جاء حرص رسولنا صلى الله عليه وسلم علي صيام أكثر شعبان ، عن عائشة – رضي الله عنها – قالت (( لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من شهر أكثر من شعبان ، فإنه كان يصوم شعبان كله )) . متفق عليه . وفي رواية (( كان يصوم شعبان إلا قليلاً )) . رواه مسلم .
وفي شعبان نتذاكر حادثة تحويل القبلة في السنة الثانية للهجرة ، قال جل وعلا :
فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (البقرة :144) ، هذه الحادثة التي جاءت تأكيداً لتميز الأمة ، وترسيخاً لاستقلالها ، وإثباتاً لشخصيتها الفريدة .. بأن تكون لها القبلة التي لا تشاركها فيها أمة أخرى .
وفي شعبان نتذاكر أيضاً مكانة رسولنا صلى الله عليه وسلم في ديننا ، إذ أنزل الله تعالي في حقه هذه الآية الكريمة تشريفاً له وتعظيماً : إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. ( الأحزاب : 65 ) .
علي أنه ، وإن جاءت بعض الآثار ، بفضيلة ليلة النصف من شعبان ، إلا أنه لا يجوز شرعاً تخصيصها بصلاة مخصوصة ، ولا بعادة معينة ، ولا باجتماعات منصوصة، وإنما يأتي المرء فيها من الطاعات المباركات ، والأعمال الصالحات ، كالصلاة والصيام والاستغفار والذكر ، وقراءة القرآن ، ما يأتيه بنية التقرب إلي الله سبحانه وتعالي ، في هذه الليلة كغيرها من الليالي.
روى عن أنس – رضي الله عنه – قال :(( كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا علي المصاحف فقرأوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين علي صيام رمضان )) . وكان جماعة من السلف يقولون : "شعبان شهر القرآن" مكثرين من الصدقة علي الأرحام، والأيتام ، وأهل العوز، والحاجات .
فليكن لنا في سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم ، وصحابته الكرام ، قدوة وأسوة ، ودليل عملي ، وسبيل رشد ، في هذا الشهر الكريم ، فلعلنا لا ندرك رمضان ، فنُكتب من الفائزين فيه ، بنياتنا الصالحة ، وأعمالنا السديدة .. فيما سبقه من شعبان.