886491   عدد الزوار
Loading...
me@arsaad.com
 |   |   |   |   |   | 
   
  ***  اغتيـال بحيرة: دماء علـى ميـاه "المـنزلة"..التحقيق الفائز بجائزة التفوق الصحفي ج:1   ***  مغامـرة صحفيــة في أنفاق غزة   ***  الحُلم الإسلامي في "إيمانيات الدولة من وحي الثورة"   ***  حاجتنا إلى آداب سورة "الآداب"   ***  جريمة خلف المحكمة الدستورية‏   ***  عندما تذوب المسئولية
 
دراسات وتحليلات
تحطيم الأقدام جريمة كبرى فى مصر
24/09/2010

الكاتب الإسبانى «خوان خوسيه مياس» بعد أن فقد والدته التى كان متعلقا بها أشد التعلق، عاش فترة مَرَضية غامضة كان الداء خلالها يتجول داخل جسده كشبح فى بيت مهجور برغم أنه كان فى شرخ الشباب، فالألم يكون أياما فى الرئة، وأخرى فى المعدة، فى الحلق، فى الرأس.. وأحيانا فى العين!

ذهب إلى طبيب نصحه به أحد أصدقائه عندما أصبح الوضع خطيرا، وكان الطبيب رجلا لطيفا وعظيم الخبرة، شرح للكاتب أهمية أن يلبس حذاء بنعل كاوتشوك يحتوى على وسائد هوائية، وقال له: «إننا نقضى حياتنا ونحن نسير على أسطح صلبة ونرتدى أحذية صلبة، وكل خطوة تمثل ضربة تنتقل خلال العمود الفقرى إلى النخاع المستطيل (أو البصلة السيسائية الواقعة فى قاعدة جذع المخ على رأس النخاع الشوكى، والتى تنظم العمليات الحيوية اللاإرادية كالتنفس وانقباض الأوعية الدموية ونبض القلب)، فليس غريبا أن ننتهى إلى مُحطَّمين أو مجانين أو مُصابين بألزهايمر بعد أن نتلقى ملايين الضربات على عضو حساس كأقدامنا»!

الكاتب الذى كان يحكى هذا فى كتابه البديع «العالَم»، أحس بدهشة قوية تجاه شرح الطبيب له، وتمنى لو أن الطبيب لا ينتهى من هذا الحديث أبدا، فقد كان الذعر يستبد به عندما يبدأ فى وصف أعراض مرضه للأطباء ويكشفون عن حيرتهم أمامه، لكنه فى ضوء ما شرحه هذا الطبيب، ثم بعد التأكد بالفحوص والتحاليل من خلو كل سنتيمتر من جسده من أى سبب عضوى للمرض، أدرك مدى حكمة هذا الطبيب، وتعافى تماما بعد قليل من العلاج النفسى مع ارتداء الحذاء الذى أوصى به الطبيب لحماية القدمين!

عادة عندما يدهشنى ويفتننى مقطع أقرأه، أضع الكتاب مفتوحا على الصفحة التى كنت أقرأ فيها وأشرد وأنا فى حالة من النشوة، ونشوتى فى هذه المرّة كانت مُضاعَفة، ليس فقط لأننى أعرف ذلك من خلال علم «التطبيب المنعكَسى» عبر القدمين الذى درست فيه شيئا وكتبت عنه فصلا فى كتابى «مداواة بلا أدوية» تحت عنوان «صحتك فى قدميك»، وليس فقط ليقينى أننا ندوس على معجزتين حقيقيتين تتكون كل منهما من 26 عظمة متواصلة بعضلات وأوتار وأعصاب مرتبطة بمراكز التحكم العليا فى المخ وتجعل من هذه العظام بيانو إلكترونيا يبدع معزوفة مذهلة من التوازن والتناسق المحسوبين بدقة كمبيوترية فى كل خطوة ومع كل وقفة، وليس لأنهما الأساس الذى ينهض عليه بنياننا كله، وليس لأن باطنيهما يحملان شفرة تواصُل مع كل أعضائنا الداخلية، وأن ظاهريهما يكشفان عن حالة الصحة والمرض فى أعضاء أبعد ما تكون عن القدمين وأخفى ما تكون عن الظاهر..
نشوتى المضاعفة كانت مرتبطة هذه المرة برؤية تَناظُر بين قاعدية القدمين وقاعدة «هرم الاحتياجات الإنسانية» الذى وضعه عالِم النفس «أبراهام ماسلو»، والذى ينهض على أساسٍ من الاحتياجات الجسمانية البديهية للإنسان كالطعام والشراب والتنفس، ثم تتوالى صعودا فوق هذا الأساس الحاجات الإنسانية الأعلى كالشعور بالأمان المادى والمعنوى، فالحب، فالتقدير الاجتماعى، فالتحقيق الأسمى للذات بتفعيل مواهب الإنسان وقدراته الأرقى.

خمسة مستويات متصاعدة لا يمكن تحقيقها إلا بترسيخ قاعدة الهرم تحتها، وهى رؤية يصح تطبيقها لا على الفرد البشرى وحده، بل على مجتمعات البشر ودولهم. ووجدتنى أعادل بين قاعدة هذا الهرم والقدمين البشريتين، أساس نهوض البشر وأداة مسيرتهم على الأرض، والتى إن تهالكت يتهالك نهوضهم والخطو، وإن تحطمت تتحطم معها مسيرتهم، كذلك الأمم. فأى قطاع يُمثِّل قدَمَىْ أمتنا وينطبق عليه ما ينطبق على الأقدام التى فى صحتها صحة الجسد كله، وفى مرضها مرضه؟

المصادفة التى لها قانون، وإن كنا لا ندركه، هى التى أوحت لى بالإجابة، ففى أثناء قراءتى لكتاب «العالَم»، توقفت بانتباه وألم عظيمين لأتابع ما كانت تعرضه الأستاذة سكينة فؤاد فى برنامج «مانشيت» مع الصحفى والإعلامى حار القلب وصادق الانفعال جابر القرموطى عن كارثة القمح، وخاصة هذا الجزء الذى يكشف بشاعة المؤامرة على مشروع الدكتورة زينب الديب لاكتفاء مصر من قمحها عبر زراعة الصحراء بأساليب علمية وضمن تعاضد عناصر متكاملة تضمن نهوض واستدامة تنمية هذا الجزء من أرضنا واكتشاف منابع الخير فى رماله. هذه المصادفة هى التى قادتنى إلى الإجابة، والإجابة كانت: الزراعة.

الزراعة. الزراعة. الزراعة المصرية كلها وليس القمح وحده هى قدما هذه الأمة وكل أمة. هى العضو الحساس الذى كان ينبغى أن تتوافر له أقصى درجات الحماية من الدولة أولا، لأن فى سلامته سلامة واستقرار كل أنشطة الأمة، وفى مصابه مصاب الجسد المصرى كله.

فما من أمة لا تأكل مما تزرع إلا وتصير رهينة لنخاسى العالم وحثالة السماسرة فى قلبها. وما حدث للزراعة المصرية منذ لوثة تجريف الأرض فى هوجة انفتاح السادات وحتى تمويتها الآن، ليس أقل من جريمة تاريخية تستحق أن نعرف: من ارتكبوا هذه الجريمة، وكيف تيسر لهم ذلك، ومقابل ماذا، ولصالح من؟ ثم: كيف يُعاقَب المجرمون على جريمتهم، سواء ارتكبوها بوعىٍ شقىٍ أو بلا وعىٍ ذميم؟ وكيف تستعيد الأمة حقها فى حماية ما تبقى من عافية هذا العضو الفائق الحساسية: قدميها / الزراعة؟!

إن خنق الزراعة المصرية هو جريمة لتحطيم قدمى مصر، هو الخطيئة الأولى التى جعلت شياطين الداء تجوس فى جسم مصر الشريفة فتوجع قلبها، وتُزهق صدرها، وتُصدئ مفاصلها، وتمشطها بآلام يسكِّنونها بمخدرات ومنومات هيهات أن تصمد فى مع تصاعد الآلام، وهيهات أن تُخادعنا المظاهر القشرية التى يدارون بها استفحال المرض الذى لو أهملناه لكانت نهاية الأمة، أو على الأقل تجويعها، وهو رعب صار محتملا جدا بعد أن عرّتنا حرائق حقول القمح فى روسيا، إلى درجة أن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) أصدرت منذ أيام تحذيرا من «أزمة غذاء فى مصر على خلفية ارتفاع أسعار القمح العالمية»، لأن مصر، للأسف، صارت المستورد الأول للقمح فى العالم !

لهذا، فإن قضية قتل «المشروع القومى الإنمائى لتطوير البيئة الإنسانية بصحراء مصر»، الذى أشرفت عليه العالمة المصرية الدكتورة زينب الديب مع فريق من خيرة علماء مصر وخبرائها فى الزراعة والجيولوجيا وعمارة البيئة، ما بين عامى 1990 و1997، وكان يهدف إلى النهوض بمحصول القمح وتحقيق الاكتفاء الذاتى منه بحلول عام 2001، مع الحفاظ على الصفات الوراثية للمحاصيل والحبوب المصرية من الضياع، وهو ما تحققت خطواته الأولى بنجاح باهر وصل بإنتاجية القمح إلى 35 أردبا للفدان، أى ما يقارب ضعف أعلى إنتاجية من القمح وصل إليها الفدان فى الأراضى المصرية، بالرغم من أن الأرض التى عمّرها مشروع الدكتورة زينب الديب كانت صحراء جرداء لم تُزرع من قبل، كما أن المرحلة الأولى فى هذا المشروع وفرت أطنانا من أمهات الحبوب للسنابل المصرية الطويلة الغزيرة كبذور للمراحل التالية، لكن تم وأدها عندما دخلت مخازن وزارة الزراعة ولم تخرج فى عملية مريبة تجعل جريمة قتل هذا المشروع جريمة مركبة البشاعة والوضاعة وربما الخيانة العظمى لصالح قوى الهيمنة الدولية والتآمر الإسرائيلى الذى لن يغمض له جفن إلا بجعل مصر دائما فى حالة ضعف واحتياج وتحت تهديد الجوع، وأخيرا العطش الذى لعب عليه الكيان الصهيونى ولايزال عند منابع النيل!

قتل مشروع الدكتورة زينب الديب لزراعة وتنمية الصحراء والاكتفاء المصرى من القمح، يماثل ارتكاب جريمة قتل سيدة حامل مع بقر بطنها لذبح الوليد النامى فى رحمها، جريمة ينبغى أن تستنفر نخوتنا وعزيمتنا جميعا للوقوف مع العالمة المصرية الدكتورة زينب الديب والأستاذة سكينة فؤاد فى التقدم ببلاغ للنائب العام لكشف طرف خيط عصابات المجرمين فى حق الزراعة المصرية، ووضع حد لمثل هذا الإجرام فى سبيل حماية قدمى مصر، زراعتها، من مؤامرات أو غباوات التحطيم، فبغير قدمين سالمتين لن يكون النهوض، ولا الخطو نحو المستقبل. المستقبل الذى هو مسئوليتنا الأخلاقية تجاه أولادنا والأحفاد، وتجاه أمانة الحياة على هذه الأرض التى تستحق الحياة.


محمد المخزنجي/ جريدة الشروق/ 23 سبتمبر 2010
 



تعليقات القراء
  الإسم
البريد الالكترونى
  التعليق
 
     ما رأيك فى شكل الموقع ؟
  
هذا الموقع يعبر عن الآراء والأفكار الخاصة بصاحبه ولا ينحاز لأى فئة أو هيئة أو مؤسسة
جميع حقوق النشر محفوظة للكاتب الصحفى عبد الرحمن سعد