886475   عدد الزوار
Loading...
me@arsaad.com
 |   |   |   |   |   | 
   
  ***  اغتيـال بحيرة: دماء علـى ميـاه "المـنزلة"..التحقيق الفائز بجائزة التفوق الصحفي ج:1   ***  مغامـرة صحفيــة في أنفاق غزة   ***  الحُلم الإسلامي في "إيمانيات الدولة من وحي الثورة"   ***  حاجتنا إلى آداب سورة "الآداب"   ***  جريمة خلف المحكمة الدستورية‏   ***  عندما تذوب المسئولية
 
دراسات وتحليلات
النبي داود.. العامل الشاكر الذي نحتاجه
03/06/2011

بقلم: عبدالرحمن سعد: يجسد النبي "داود" عليه السلام نموذجا فذا للعامل الشاكر الذي تحتاجه البشرية في كل زمان ومكان.

ويوضح القرآن في آيات خمس من سورة "سبأ، وأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم؛ أن تاريخ هذا النبي يمثل صفحة ناصعة توضح كيف أن أنبياء الله لم يكونوا "هادمي فساد" فقط ، وإنما أيضا "بناة أمجاد".

فقد آتي الله سبحانه وتعالى "داود" فضلا ممثلا في النبوة والمُلك، وبرغم ذلك كان يمارس مهنة شاقة هي صناعة الدروع التي يتقي بها المحاربون ضربات أعدائهم في ساحة القتال، فهي مهنة مهمة لكل أمة في السلم والحرب، وتقتضي التعامل مع معدن الحديد، وصهره بالنار من أجل إعادة تشكيله.

لكن ببركة إخلاص داود عليه السلام،ألان الله له الحديد، وجعله بين يديه كأنه عجينة طرية، يشكلها كيف يشاء.

لم يكن داود في حاجة لهذا العمل، فقد كان أقل شئ يكفيه من المؤنة والطعام، إذ جاء في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه السلام قوله :"أحب الصيام إلى الله صيام داود: كان يصوم يوما، ويفطر يوما".

إنه تقديس العمل كقيمة نبوية حضارية، ترسيخا لخلق الاعتماد على الذات، والاعتزاز بالأكل من عمل اليد :"كان لا يأكل إلا من عمل يده"، كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم.

"الأكل من عمل اليد، وكد الفرد، وكسب المرء" أمر تحتاج الأمة إليه بشدة..فهو شرف المرء الذي يستمده من قيامه بمسئولياته، وإيمانه بقدراته، واستعانته بربه، وعدم اتكاله على الآخرين.

ليس هذا فقط.. فقد أمره الله سبحانه وتعالى بإتقان العمل :"أن اعمل سابغات"، وهي الدروع المُتقنات.. و"وقدر في السرد"، أي اصنع المسامير على قدر حلقاتها من الدروع حتى تمسكها جيدا، فلا تكون صغيرة بينما الحلق واسعة فتنبو أو تطيش  عنها، ولا تكون أكبر حجما من الحلقات فتُكسر، وتنفصم.

وللوصول إلى هذه المرحلة من العمل المُتُقن، كان داود عليه السلام يحسن تنظيم وقته، وتدبير حياته.

فهناك وقت للعمل يستمر ساعات عدة طوال النهار بصناعة الدروع، في جو خاشع.. يسبح فيه داود لله، فيردد الطير والجبال تسبيحه :"يا جبال أوبي معه والطير.. وألنا له الحديد".

وهناك وقت للصلاة يقارب الساعات الأربع ليلا، ووقت للنوم يناهز الثماني ساعات يوميا. وهذا ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول في الحديث الصحيح :"أحب الصلاة إلى الله صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه".

داود كان أيضا يحتفظ له بمحراب في بيته (مكان للعبادة)، وكان عذب الصوت، هبه الله تعالى من الصوت الرخيم ما لم يعطه أحد ، بحسب ابن كثير في "قصص الأنبياء".

قال تعالى :"وآتينا داود زبورا".. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي أبي موسى الأشعري :"لقد أوتيتَ مزمارا من مزامير داود".

ويتمثل حسن تنظيم الوقت والجهد في بيت داود عليه السلام في أنه قال لأهله :"أكفيكم الطاعة بالليل، وتكفونني النهار"، فكانت لا تمر لحظة في بيته وسط أسرته،  إلا وهناك ذاكر لله، قائم له بالصلاة أو الإخبات أو الذكر.

وفوق ذلك كان داود ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" لايفر إذا لاقى"، أي أن قرارته مدروسة بعناية بحيث توافق الصواب، ولا تحتمل الرجوع عنها، لاسيما في الأمور المصيرية، ومواجهة الأعداء بساحات القتال، حيث لا مجال للفرار أو التراجع أو النكوص، تحت أي عذر كان.

"اعملوا آل داود شُكرا.. وقليل من عبادي الشكور"..إذ لا تنهض الأمم بعمل الفرد، حتى إذا كان نبيا، وإنما بالعمل الجماعي، إذ تخف الأعباء من على الجميع. "اعملوا آل داود".. الخطاب ليس لداود فقط، ولكنه لقومه، برغم أنهم أمة عاملة  بالفعل.

وهذا العمل إما أن تكون غايته شكر الله، باعتبار الشكر نصف الإيمان، أو أنه هو في جنسه وذاته من قبيل الشكر، على شاكلة ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فتراجعه عائشة بالقول :"تتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ما تأخر"، فيقول :"أفلا أكون عبدا شكورا؟".
ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يدعو فيقول:"اللهم اجعلني من القليل"، فاستفهم منه دعاءه فقال:"القليل الشكور يا أمير المؤمنين"؛ فقال :" كل الناس أعلم منك يا عمر"!

هكذا كانت حياة داود عليه السلام : قياما بالشكر قولا وعملا، وحقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم، واستعمالها في طاعته.. كما أن شكر اللسان بالأقوال، وشكر الجوارح بالأفعال.

و"من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله"، كما جاء في الحديث.

وقال الحسن البصري :"الخير الذي لا شر فيه : العافية مع الشكر".

ولأن داود كان قدوة بالعمل الشاكر لربه، فقد قبضه الله من بين أصحابه، "فما فُتنوا ولا بدلوا"، كما روى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم..

لقد كانت له ركعة من اليل يبكي فيها نفسه، ويبكي ببكائه كل شئ، ويسري بصوته عن المهموم والمحموم.

ولأنه يريد أن يكون كثير الشكر لربه، فقد سأله ذات يوم :"يا رب: كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟"؛ فقال له ربه :"الآن شكرتني حين علمت أن النعمة مني".

والواقع أن العمل الشاكر هو طريق النماء والبركة والزيادة في كل شئ . قال تعالى :"ولئن شكرتم لأزيدنكم".

جعلنا الله من "العاملين شكرا"، تنفيذا لأمره :"بل الله فاعبد وكن من الشاكرين"، وتلك عبادة الأحرار حقا.. لا العبيد، ولا التجار.

المصدر : الأهرام

 لتاريخ : الجمعة غرة رجب 1432هــ   3 يونيو 2011 السنة 135 العدد 45469

الرابط :   http://www.ahram.org.eg/Free-Opinions/News/81522.aspx


تعليقات القراء
Neetu
That's really thiiknng at a high level
    
Cade
Inaormftion is power and now I'm a !@#$ing dictator. http://bqizbaa.com [url=http://qodcboarahd.com]qodcboarahd[/url] [link=http://bezfisqj.com]bezfisqj[/link]
    
  الإسم
البريد الالكترونى
  التعليق
 
     ما رأيك فى شكل الموقع ؟
  
هذا الموقع يعبر عن الآراء والأفكار الخاصة بصاحبه ولا ينحاز لأى فئة أو هيئة أو مؤسسة
جميع حقوق النشر محفوظة للكاتب الصحفى عبد الرحمن سعد